مطبعة والآخِـر

    يتمايل الميكروباص به وهو يتحرك بسرعة كبيرة على الطريق متفاديا غِطاء بَارز، أو حفرة هنا، أو حجر هناك. وربما يتمَايل بطبيعته فهو مِن النوع الذى توقف إنتاجه منذ أكثر مِن نصف قرن  ..
  ممسكا بحقيبة بها كتب أحضرها من معرض الكتاب يُـتابع الطريق. أمَامه جركن أسود يضيّق المساحة المتاحة لقدميه، فتنحرف لتأخذ جزء مِن مسَاحة الجالس بجانبه .. العربة مُشتعلة بالنِقـَاش .. انتبه إلى أن كل مَنْ فى العربة يتناقش.
لا يدرك تحديدا مَنْ بدأ الكلام و بـ أى جملة. وبالطبع أصواتهم عالية. ماعدا السَائق الذى التزم الصمت .
    
    الشاب الجَالس بجانب السائق سأله " هو أنت كل يوم فى الدوشة دى "
" كل دور! "  قَالها السَائق وهو يمدُ يَده  بباقى العشرين جنيه .. هذا قبل أن يشَارك هذا الشاب مشاركة فعالة فى تلك الدوشة..
    مِقعد به ثلاث سيدات خلفه. الكل يتكلم فى نفس الوقت وبصوت عالى خلف أذُنه مباشرة. وراءهم ثلاثة شباب . كان قد سمع صوت محمد منير يغنى فى هَاتفِ أحدهم ،وحديث بينهم حول إحدى أغانيه قبل أن يتحرك الميكروباص من الموقف .
  
     تحمّل " الدوشة" وما تحمل مِن أفكار تحرق الدم وتضغط عليك لترد عليها، ولم يشارك إيثارا لسلامته وسلامتهم .. فى منتصفِ الطريق صَعد رجل فى الخمسين مِن عمره تقريبا و جلس بجانبه .. كانت أفكاره على عكس أفكار الثلاث سيدات خلفه .. وكان هذا الرجل أعلاهم صوتا، وأكثرهم تطرفا فى الأفكار. وما يلبث أن ينتهى مِن جملة حتى يتبعها بأخرى .. وإذا كتبنا ما يقول سيكون هكذا  " الغرب بيحارب مـ الغرب مش عايز رئيس مسـ الدنيا كلها بتحار حتى الجيش و الحكـ ... "
هو لا يُكمل الجملة لـ آخرها . فـ أول مـ كانت مرسى و الثانية كانت مسلم و الثالثة بتحاربه وهكذا .. هذا الرجل يبذلُ مجهودا فى الكلام ومَنْ يَسمعه يبذل ضِعفه فى الفهم .  ولا ينسى أن يتوجه بكلامه مباشرة إلى مَنْ يُحادثه فيدور ليواجه هذا بجملة فإذا تكلّم آخر فى آخِر العربة يدور بجسده كله ليواجهه.
   أخيرا نزل مَنْ كان جالسا بجانب السَائق ورَحم الجميع مِن اللثغة فى الكلام، ومِن دوران الرجل حول نفسه .. لم يمر الكثير مِن الوقت حتى نزلت السيدات الثلاثة فسمع أذنه تُهلل فرحا .. أما الرجل فبعد أن نزلت السيدات توجه إلى الثلاثة شباب فى آخِر مقعد ولم يكن باقى سواهم، و قال : " ماتسمعوش كلام الستات دى .. دول مش كويسين . مش محترمين "
أحدهم قال : " يا عم إحنا مالنا بيهم "
بينما قال الآخر : " إزاى يعنى مش محترمين يا حج " 
رد : " خايفين أصل مرسى هيمنع الزنا .. مرسى هيمنع الزنا "
وهنا تدخل السائق قائلا : " مطبعة و الآخِر يا حضرات " ...

مطاردة

    تأتى صورتها أمام عينى صدفة .. تتوارب كل الأبواب المغلقة ،فأرى نفسى هنا جالسٌ وفى يدى قلم يكتب اسمها، وهنا جالسةٌ هى فى حضنى .. تستهوينى الذكريات فاتقدم وأدخل هذه الأبواب و أمر بينهما .. كلما مررت من باب أجد آخر موارباً فادخله و أجد مشهد قد نسيته او تناسيته ..

  أنظرُ إلى الساعة اجدنى متأخراً على ميعادى بـ ساعةٍ كاملة .. لا مزاج لدى للخروج.. أدخل المطبخ ، القهوة الآن وقتها ..
لا يوجد كبريت، ابحث عن عود هنا او هناك .. أجدُ نصف عود يحاول أن يتلف ،أجربه يشتعل ، يظل فـ يدى حتى تشتعل النار تحت الكنكة فيحرق يدى .. اتذكر يوم فى شهر  8 منذ 4 سنوات .. يوم كنت ذاهبا لها واشعل عود الكبريت ،فقفز جزء صغير مشتعلا منه و جاء بالقرب من عينى .. لا اتذكر المشهد نفسه لكنى اتذكرنى وانا احكى لها .. ليس هذا فقط بل تذكرت اليوم نفسه و كيف كان رائعا ..
أسمع صوت القهوة وهى تفور،أطفىء النار فى آخر لحظة .. اصب القهوة فى كوب صغير هو الوحيد النظيف والباقى بهم بقايا قهوة منذ يوم او يومين ..

  أرجعُ إلى غرفتى أمام الكمبيوتر .. صوتها فى اذنى تتكلم ،احاول أن أنصت .. لا استطيع تميز الكلام ..
ومع أول طعم للقهوة فـ فمى .. اتذكر شفتيها .. أترك القهوة ،واقم من مكانى أغلق الكمبيوتر، واحاول التفكير فى شىء آخر ..
مجموعة كتب على المكتب .. اتلقفهم ،واعبث بورقة الاستعارة فى آخر كل كتاب .. لعبةٌ أحبُ أن ألعبها ، احاول أن اتخيل شكل من أخذ هذا الكتاب قبلى فى التاريخ الفلانى ..
يأتى فى رأسى شكل الكتب فى يدها فى هذا اليوم الذى قررنا فيه أن نتكلم لـ نصلح ما افسدناه ..احاول طرد المشاهد من رأسى ..

أركز فى التواريخ أمامى .. أجدُ شهر نوفمبر 2010 ، اللعنة ألف مرة على من ختم هذا التاريخ على الكتاب و اللعنة على من إستعاره .. ألم يجد سوى هذا التاريخ
اضع الكتب وأكملُ قهوتى..

وكما يُفتح السد لتمر المياه .. مرت الذكريات فى رأسى ،وأمام عينى بل و بعضها كنت اسمعه و احس به فعلا ..
هنا تضحك وأنا اقبّلها ،وهنا حين بكت فى حضنى ،وهنا عندما كنا نتسلل.

سيل من الذكريات مر حاملاً معه المؤلم والمفرح دون تميز .
يجب أن يتوقف .. احاول أن افكر فى شىء آخر ..
اقل لـ نفسى : أتذكرين هذه الفتاة الجميلة التى ابتسمت لكى أمس .. أرأيتِ عينيها ؟ .. آهـ لا تحديثينى عن جسدها .. بالطبع رأيت السلسلة .. نعم ولون الشفايف مطبوعٌ فى ذاكرتى .. لا لا لم يكن مثلها .. لم تكن فى ذلك اليوم تضع هذا اللون .. نعم اتذكر .. فلتصمتى الآن .. أنا أريد أن أهرب منها .. لما لا تفهمين .. لما لا تساعدينى !


   أنظرُ إلى هاتفى .. بائسٌ هو بدون صوتها .. وأنتَ ؟ .. قلت لكى اصمتى .. انا لا بائس ولا سعيد ..

بهذه الطريقة سأفقد السيطرة،الحل أن انام .. احاول النوم ، تمر نصف ساعة و لا نوم فى الأفق .. فقط صور لعينيها ،لضحكاتها، لدموعها ..
أ
عدّلُ من وضع نومى ،واحاول مرة اخرى.. أشعر بها بجانبى .. منذ يومين ضبط نفسى خائفةً من أن تعيش وحيدة !، استنكرت هذه الاحساس  .. لم تواجهنى ،فقط جاءت و ظهرها لى ،نزلت قليلا بجسدها حتى استقرت، يدى حولها وأنفى بجانب أذنها .. وهنا فقط استطعت النوم.

عقلٌ وقلب ..

    ارتب سريرى وقبل ان اطفىء النور اجد غطاء زجاجة عطرها بجانب السرير .. هذا العطر الذى جاءت به اختى وحمدا لله تنازلت عن إعجابها به .. اطفأت النور وتحسست طريقى ومددت يدى واخذت الغطاء، وبمجرد ان اقترب من انفى وجدتها جالسة بجانبى، كانت تنطر لى لا اعجابا ولا عشقا .. لم استطع ان اطيل وتركت الغطاء فورا .. اعتدلت واحكمت غطائى حولى واغلقت عينى .. وجدتها جالسة قبالتى وفى يدها وردة بيضاء . اللعنة على عقلى؛هو يُركب مشاهد قديمة واخرى يؤلفها ليؤكد على فكرته .. اننى انا الذى تركتها .. وهى الملاك البرىء المظلوم.. لكن أليست كذلك هى ؟
   لا ليست كذلك .. أليست هى من علمتنى ان اعشق بقلبى فقط والا يتدخل عقلى هذا،وقد كان .. وأليس هو اول من باعها بعد ذلك؟ .. لماذا لا يعشق الانسان بالقلب والعقل معا .. لماذا لا يخط العقل عقد العشق بين القلبين ويصبح شاهدا .. طلبت منى ان انحى عقلى جانبا لانه يفسد عشقنا، واترك قلبى يمسك بزمام روحى وننطلق فى فضاء العشق .. عشقتها، وتماديت.. نحيت عقلى، وبعد مدة ليست بالكبيرة ولا الصغيرة تخلى قلبى عنها ..لا اعلم لماذا ولا هو يرد على اسئلتى .. تصرفاته دوما هكذا لا تستطيع ان تحكم عليها بأى منطق .
    
    جدا علمتنى كيف يكون العشق .. ونسيت ان تذكرنى ان للقلب تقلبات لن نأمن عواقبها.  لا لم تنسى .. كانت خائفة من الهجر ودوما تذكر لى ذلك .. ولأول مرة كان عقلى فى صفها يحارب ضدى ،وقلبى محايد ..
     لا اعلم لما لا ترحل .. لأن روحها مازالت بداخلى ؟ .. اتذكر كيف كنا نتنفس نفس الهواء فلا نترك لهذا العالم ان يأخذ ولا نفس واحد من روحنا .. ظلت روحها بداخلى ولم تخرج .

    يتسلل ضوء فضى من النافذة .. اتذكر أن القمر بدر .. امسك هاتفى و افكر انها لن تتكلم اليوم لتخبرنى ان القمر جميل و مضىء كله ،سنتحرك بـ حرية عليه .. لن تدعونى لمشاركتها الليلة على القمر .. اختبر ذاكرتى واحاول ان اتذكر رقمها .. لا استطيع .. اتركه، واغمض عينى مرة أخرى محاولا النوم.
   عقل وقلب وروح .. ثلاثة آلهة يتحكمون .. لمن الغلبة ؟ لا احد يستطيع ان يجزم !

اتكـلمى

     حديقة عامة ..هواء بارد قليلا يمسح الاجواء .. جالسٌ هو بجوارها و لا صوت سوى صوت الهواء ..
ينظر الى عينيها التى تتلألأ فى ضوء الشمس، وانفها الدقيق، وشعرها الفاتح المتطاير .. يبدأ فى الكلام ..
- احيانا كثيرة اشعر بشوق تجاها .. واحيانا افكر هل كنت احبها فعلا
  لم ترد عليه لكنها اثنت قدمها تحتها، واعتدلت فى مواجهته 
- لكن السؤال .. لماذا فقدت القدرة على الحب ؟
أيعاقبنى الله على ما فعلته ؟ لماذا
ارتبكت حياة كل من شاركتهم ؟

   ترفع رأسها مستفهمة ..
- لا لن أحكى لكِ كل التفاصيل .. اخبرينى .. لماذا لم اعد اشعر بالحب تجاه احد .. لماذا توقف هذا الشعور .. اصبح الكل فى مكانة واحدة يتشاركون نفس الاحساس لا احد مميز  ..
   تدير رأسها و تتابع فراشة اقتربت .. اخذت تتابعها حتى اختفت من المشهد
- اصبحت كل العيون سواء .. كل الشفاه عادية .. اصبح الجمال و الدلال يظهر و يقترب منى حتى يتوقف عند مرحلة معينة .. لا استطيع فيها تميزه عن غيره ..
  يمر رجل وبجانبه كلبه الصغير .. تلتفت له فى ذعر و تنشغل عنى حتى يبتعد.
ما رأيك ؟ تكلمى .. سيأتى صديقى الآن و لن نستطيع استكمال حديثنا ..لماذا اصبحت الارواح متشابهة ...
  تنظر فى الارض ..
  
  يأتى صديقه و يجلس بجواره و يضع الطعام بينهما .. فتنتفض هى ،وتجرى بعيدا
يتابعها بعينه قليلا حتى ينتبه له صديقه ،وينظر وراءه ولا يفهم ..

  يراها بعد قليل تطارد الفراشة .. و تنظر له من آن لـ آخر ..
أو لعلها تنظر إلى الطعام ..

شمسٌ لم تعد تشرق

    لا يتذكر تحديداً كيف دخلت حياته هذه الفتاة المدهشة .. بدأت علاقتهم عن طريق الانترنت إلى أن جاءت إلى مصر لتدخل الجامعة .. فبدأوا يتحدثون هاتفياً باستمرار ثم قابلها ثلاث او اربع مرات .. حتى قررت أن تنسحب هى من هذه الصداقة دون أن تعلمه ..
    كانت مختلفة تمام الاختلاف عن كل مَنْ يعرف من بنات .. حديثها نفسه، واهتماماتها، وطريقتها فـ عرض المواضيع كانت مختلفة ..
     اللهجة الخليجية فى كلامها كانت تُضفى دلالاً طبيعياً عليه .. حتى إن حصونه الدفاعية كانت
جاهدة تحاول التماسك أمام هذا الدلال .. 
     دخلت إلى حياته بسرعة وتعلق بها فور ظهورها،وخرجت بطريقة غير متوقعة .. بدون ترتيب .. كان يتمنى أن تستمر صداقتهم سنوات ..
   
    لازالت تعليقاتها عالقة بذاكرته ..يفتقد كثيرا المؤثرات الصوتية التى كانت تضيفها إلى حديثها .. مداعبته لها حين يهزمها فى الطاولة .. يتذكر كيف كانت تمسك بـ الزهر..كانت تمسك واحدة بيد و اليد الاخرى تأتى بالثانية لتضعها بجانب الاولى ثم ترمها .. يذكر جيدا آخر مرة رآها فيها .. يذكر عينيها الآسرة ..
      يبتسم خجلا حين يتذكر اول مرة يراها داخل المترو .. لم يكن يتوقع ان تكون جميلة هكذا ..
لم تكفى اهتماماته وتفاصيل حياته اليومية من محو الذكريات التى تركتها بداخله... يحمّل نفسه الجزء الاكبر من سبب انسحابها .. إهماله فى الاهتمام بها ،وإندفاعه احياناً ..
  
  فجأة اصبحت غير موجودة .. لا انترنت ولا هاتف ولا شىء على الاطلاق .. افاق لنفسه يوما فلم يجدها .. الشمسُ التى كانت تدفىءُ عالمه لم تعد تشرق ..
  

 
 

على حافة القمر

      روحٌ جالسةُ على حافةِ القمرِ تتأمل الأرض وهى تدور، وتأرجح ساقيها .. يريحها الصمتُ ويهدهدها دورانُ القمرِ .. اختلَّ توازنها فـ سقطت بسرعة كبيرة على الأرض ، ارتطمت بزجاجِ نافذته .. انزعج هاتفه واصدر صوتاً .. 

- آلو .. كنت مستنيكى ..يلا ننام؟ ..تصبحى على خير..أكيد ..اشوفك هناك

تنسحب روحه ،وتطل من النافذة ،وتمسكُ يدها .. وينطلق الروحان .. تحاولُ سحبه إلى الأعلى ليجلسوا على القمرِ سوياً .. لكن روحه ضعيفة،وأجنحتها الصغيرة لا تقوى على حملها .. على عكس روحها النقية التى يمكنها التحليق عالياً .. بعد محاولاتٍ .. أخذته وذهبت إلى حافةِ جبلٍ يطلُ على نهرٍ واسعٍ .. جلسا سوياً دون كلام .. يمررُ أصابعه بين خصلاتِ شعرها التى لم يتركها الهواءُ ساكنةً .. يحيطها بذراعيه ويضمها إلى صدره حتى يشعرُ بحركةِ تنفسِّها .. يضبطُ حركة نفسُّه معها، ليصبحَ الروحان ذا صدرٍ واحدٍ يعلو ويهبط ..
كان الروحان متشابهين فى هذه اللحظة .. كان يظنُ ذلك  
لكن نظرةٌ واحدةٌ منه إلى القمر تكفى ليعرف مدى الفرق بين نقاء الروحين ..

شجرة الـتـوت

   ثابتة فى مكانها منذ ان ولدت ..  منذ ان بدأت انظر من النافذة الخلفية .. وانا صغير كنت اتابعها واندهش لاختلاف الفصول عليها .. كنت استيقظ على اصوات العصافير .. انظر من النافذة واتابعهم فى طيرانهم منها واليها ..
    فى الصيف كانت تزعجنى .. كانوا الصغار يتجمعون حولها و يلقون بالحجارة كى يجمعوا التوت
..  شجرة تــوت
    كانت معى فى اول علاقة حب .. كنت اقف احكى لها .. واحيانا تسمعنى بنفسها ليلا وانا اتكلم فى الهاتف ، فتحدثنى هى فى الصباح ..
    كانت تتحمل احلام فترة الثانوية العامة .. كنت آخذ كوب الشاى بالنعناع واقف انظر لها، واعرض عليها احلامى ..
    كنت احاول احيانا ان احصى اوراقها التى لم تسقط بعد فى الخريف .. 
 
    النافذة تطل على الجزء الخلفى لـ عمارات أخرى .. فلا يوجد شىء فى المنظر سوى هذه الشجرة الضخمة .. احيانا اشعر انها زرعت لى انا خصيصا .. منّ يزرع شجرة خلف العمارات .. ايخبئها من أحد .. أيحاول ان يجنبها تعدى الآخرين ؟ ربما..

  منذ يومين فتحت نافذتى لكى اطلّ على شجرة التوت ،فأنا لم احكى لها منذ سنوات .. غضبتُ حين وجدت سلك أزرق يمر من امام عينى .. هذا السلك اللعين ألم يجدوا طريقة أخرى من ان يمرروا هذا السلك سوى بهذه البشاعة ! .. اصبح مستحيل ان انظر لـ شجرتى دون ان الاحظ هذا السلك .. أفكر فى قصّه ...

  تمر العصافير احيانا على نافذتى،وتطرق بمنقارها لتذكرنى انى لم اطلّ عليهم منذ فترة ..
   شجرتى تنافس الشروق، واحيانا تفوز هى بالاهتمام .فـ الشمس تشرق من امامها فيصبح لى ان اختار إما ان اتابع الشمس وهى تشرق ،أو اتابع الشجرة والعصافير..

   سأزرع لأولادى شجرة توت ونجلس يوميا نحكى لها 


المكتبة المسكونة

       اليوم شديد الحرارة .. سأنتظر حتى تنخفض الشمس قليلا وانسحب من الجلسة العائلية هذه ـ قبل أن أفقد الجزء الباقى من عقلى ـ وأذهب إلى المكتبة .. المكتبة تغلق أبوابها الساعة السابعة مساءا .. انتظرت حتى جاءت الخامسة وأنفلت من العائلة وذهبت إلى عائلتى الخاصة .. دخلت المكتبة الساعة السادسة والنصف .. بمجرد أن أدخل الشارع الذى به المكتبة أشعر بنسمة هواء خفيفة  تهتز لها الأشجار وتنسينى صخب العربات و رائحة العوادم .. بناء قصير يتكون من ثلاثة أدوار حوله حديقة وأشجار ويطل على النيل.. وعند دخولى من باب هذا المبنى اقشعر بدنى من قوة المكيفات و هنا نسيت تماما جلسة العائلة بتعليقاتها وأفكـارها بل نسيت كيف جئت من هناك إلى هنا.. أعدت ما معى من كتب استعرتها وانتهيت منها..


    دخلت قسم الأدب .. وقبل أن أبحث عن كتب لكى اقرأها لم أنسى أن احيى نجيب محفوظ وبهاء طاهر وخيرى شلبى و أقبل رأس مصطفى محمود واربت على كتف توفيق الحكيم واومأ برأسى ليوسف ادريس، وبعدها اكون قد نسيت معاناة الأسبوع كله ليس اليوم فقط.. اتجول بين الارفف كـ الراقص .. منتشى بعدد الكتب المهتم بها .. من الروايات إلى الشعر والدراسات .. من التاريخ إلى السياسة ومن جلال امين إلى هيكل .. وأكاد اقفز من الفرح عندما أجد كتاب كنت اتمنى أن اقرأه منذ فترة وبحثت عنه فلم أجده ..
   فجأة انخفض الضوء تدريجيا وقامت فتاة ـ كانت جالسة خلف شاشة كمبيوتر تساعد رواد المكتبة ـ لتغلق جزء من باب قسم الادب لتنبه الجالسين انه حان موعد الاغلاق .. استنكرت اغلاقهم فى هذا الموعد المبكر ونسيت اننى جئت متأخرا ولم انتبه إلى الساعة ناهيك عن الهاتف الذى انساه مكتوم الصوت فـ جيبى ولكم فاتتنى مكالمات هامة وانا فى المكتبة ... اكمل جولتى كما لو ان شيئا لم يحدث  اقترب من رفوف الكتب .. افحص الاسماء وانزل بركبتى حتى ارى آخر صف ممسكا بكتابين سوف استعيرهم ..

  مرت الفتاة بجانبى وانا بين ارفف الكتب كانت الاضاءة ضعيفة لكنى حافظ اماكن كتب هذا الرف جيدا فيوجد فـ الاعلى كتب جلال امين والاسفل كتب محمد عمارة .. لم ترانى الفتاة فمرت واطمئنت ان لا احد بالداخل فأغلقت الباب .. انتبهت للحظة واكملت ما بدأته ..
   خمس دقائق مرت الى ان سمعت صوت باب الدور باكمله يغلق متزامنا  مع اغلاق الانوار فى الدور كله .. ماعدا ضوء خفيف يتيح للمار فى الشارع ان يعرف ان هذه مكتبة ولكنها مغلقة الآن .. حاولت ان استخدم هاتفى وجدتنى بدون رصيد وليس معى رسائل طلب الاتصال (مع ان هذا وقتها) ..أخذنى الخوف وحاولت ان افتح الباب ولكن لا فائدة ..
استسلمت لمصيرى وقلت لنفسى سأنتظر حتى الصباح مع كل هذه الكتب .. 

     اخذت كتاب من كتب نجيب محفوظ وعزمت على ان انتهى منه فى جلسة واحدة .. جلست تحت المصباح المضاء واخذت اقرا .. بعد 40 صفحة قمت فجئت بكرسى آخر ووضعته امامى لــ اضع قدمى عليه .. غفوت قليلا ..

    افقت على صوت اقدام .. لحظات لكى استجمع اين انا ثم تملكنى الرعب .. لا اريد ان اقم وارى من هناك .. صوت الاقدام تقترب .. فقمت من دون تفكير واختبأت وراء رف كتب فى اقصى ركن فى المكان .. جسدى كله يهتز من دقات قلبى القوية .. سمعت صوت الباب وهو يفتح فاهتزت اعصابى حتى كدت ان اقع ..
   وجدته قادم بخطوات واثقة فاقشعر بدنى بقوة .. كان نجيب محفوظ فى بدلة صيفية رمادية وفى يده سيجارة وفى الآخرى ولاعة .. وقف فى منتصف القاعة واشعل السيجارة و أخذ مجموعة اوراق لم الحظ انه يحملها و جلس فى ركن بعيد وبدأ يكتب ... تسمرت مكانى لا اعرف المدة .. وفكرت  ان اقوم واتكلم معه .. لكنى سمعت صوت أقدام قادمة من الناحية الاخرى .. فرفعت عينى إلى نجيب محفوظ وجدته فى مكانه .. احكمت الاختفاء وترقبت ..


   ظهر هيكل ممسكا بمجموعة من الصحف.. تحركت من مكانى حينما اقترب منى كى لا يرانى .. ولكنى عندما وقفت وجدت امامى مباشرة باولو كويلو يقلب صفحات كتاب .. تراجعت خطوتين فزعا فاصطدم جسمى بعمود للكتب الانجليزية بشدة فوقع محدثا صوتا عالى للغاية .. نظرت له وقلبى يخفق ..استدرت لاواجههم فوجدت أحدا لم ينتبه .. مازال نجيب يدخن سجارته وباولو ناظرا فـ كتابه وهيكل يعبث بالصحف .. 

 
اخذت ادور حولهم لم ينظر إلى أحد .. كأنهم لا  يرونى .. اذهب الى القاعة الاخرى اجدها ممتلئة بالاشخاص .. اميز بينهم خيرى شلبى و توفيق الحكيم و سحر الموجى ورضوى عاشور والابنودى .. اجد حلقة يعلو منها الصوت اقترب منهم استطيع ان اتعرف على امل دنقل و نجيب سرور .. اصبح المكان مزدحما  .. اخرج من هذه القاعة الى الممر الرئيسى اجد شخصين يندمجان فـ النقاش اعتقد ان احدهم جورج أورويل .. ادخل الى مكانى الاول مرة اخرى اجد اشخاصا اخرى فى المكان .. وجدت محمد المنسى قنديل ومحمود عوض والمخزنجى وصنع الله إبراهيم ..
وجدت زينب الغزالى و سيد قطب فى ملابس السجن يمرون .. وجدت حلقة حول شخص يرسم اقتربت وجدته ناجى العلى حوله مجموعة تعرفت على أحمد مطر وغسان كنفانى ..


  
لمحت المسيرى جالسا على كرسى ويقف بجانبه فهمى هويدى ..  بجوارهم شخص جالس على الارض فى عباءة كبيرة وحوله العديد من الكتب والمخطوطات. اعصر رأسى حتى اتعرف عليه وبعد جهد اجده الكواكبى ..  أخذت ادور فى المكتبة من القاعات الى الممر وكل مرة اجد اشخاصا اكثر .. جلال امين و يوسف زيدان .. شيئا ف شيئا اصبح المرور بينهم مستحيلا ..
  احاول أن استمع إليهم وهم يتكلمون ويتناقشون .. لا اميز شيئا من حديثهم .. حاولت مرة اخرى المرور إلى القاعة الكبرى وجدت الباب مسدودا بالاشخاص  بعضهم جالس على الارض والاخر منهمكا فى الحديث.. حاولت ان امر وجدت اشخاصا قادمون من خلفهم فـ سدوا الباب تماما .. تراجعت ونظرت خلفى وجدت اشخاصا ورائى فى شبه نصف دائرة مقتربين منى ..
   اصبحت فى الوسط تماما بين حوالى 30 كاتبا .. حاولت أن أدفع أحدهم وأمر فدفعنى فى صدرى مرتين .. اصطدمت بمن هو خلفى فجاء آخر وألقى بكوب ماء فى يده على وجهى وسط تعبيرات أوجه عديدة ولا صوت يصدر استطيع تميزه ..

     فجأه رأيت امامى رجل فى رداء لبنى والفتاة التى اغلقت علىّ الباب .. مستلقى على الارض تماما بجانب الرف التى مرت عليه الفتاة فلم تلاحظنى .. كان بين ايديها كوب فارغ وكان وجهها مفزوعا ..
ــ إيه يا عم خضتنا عليك
ــإيه اللى وقفك فى الضلمة بس

      واخذوا يسألونى ماذا حدث بالضبط ؟ استجمعت شتات اعصابى وذاكرتى وكدت ان انقل لهم ما حدث .. لكن وجدتهم يقولوا أن مجموعة كتب من أعلى الرف وقعت علىّ وأن لولا الصوت المزعج المصاحب لوقوعها ما كانت الفتاة فتحت الباب مرة اخرى لترى ماذا هناك ..
ـ ده انت رعبتنى .. حرام عليك
     ابتسمت و قمت مستندا عليهم .. وجدت الرف مائلا قليلا ومجموعة كتب على الارض .. مررت بـ القاعة وجدت كل شىء فى مكانه .. التفت الى مكانى لمحت على الكرسى رواية نجيب محفوظ التى كنت أقرأها !

       خرجت من المبنى وجدت الهواء الدافىء فـ مقابلتى .. احسسنى أنى لازلت هنا على أرض الواقع .. نظرت فى ساعتى وجدتها السابعة و خمس دقائق .. ضحكت بصوت عالى وخرجت إلى الشارع واخترت أن أمشى بجانب النيل حتى الجيزة .. وهنا كنت قد نسيت السنة باكملها ...
    ادرت رقبتى ونظرت بإتجاه المكتبة وجدتها ساكنة وبينما أدير وجهى للطريق لاحظت شيئا يتحرك .. رجعت ببصرى مرة أخرى وجدت شخصا أعلى البناء يشير إلىّ بيده مودعا .. كان نجيب محفوظ مرة اخرى !